السيد محمدحسين الطباطبائي
170
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
عَلى مُكْثٍ ، « 1 » فمن الواضح أنّ القرآن الذي هو آيات مفرّقة موزّعة على ثلاث وعشرين سنة ، وأكثرها نازلة في وقائع خاصّة تدريجيّة ، وفيها ناسخ ومنسوخ ، هو غير ما نزل دفعة في ليلة واحدة ، والذي نزل كذلك غير ما لم ينزل بعد ، وهو محفوظ لديه تعالى . ومن هنا يظهر أنّ هاتين المرتبتين خارجتان عن باب المفاهيم مع اتّحادهما بمرتبة المعنى والمفهوم ، فهما من سنخ التأويل لانطباق وصفه عليهما . فإن قلت : لو كان قوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، « 2 » ناظرا إلى التأويل ، أوجب ذلك علم غيره تعالى بالتأويل ، وقد تقدّم أنّ قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ غير معطوف على المستثنى حتّى يشاركه تعالى في العلم بالتأويل . قلت : هو كذلك ، والذي تقدّم هو أنّ الآية لا تدلّ على كون الراسخين في العلم عالمين بالتأويل ، لا أنّ الآية تدلّ على نفيه عنهم ، إلّا من جهة الحصر في قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ولا ينافي حصر حقيقة المعنى فيه تعالى بالذات ، ثبوته في الغير بالغير . نظير ذلك قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ، « 3 » فالعلم بالتأويل غير مخصوص به تعالى إلّا بنحو الحقيقة وبالذات ، نظير العلم بالغيب ، بل يعلمه المطهّرون بتعليمه تعالى ، غير أنّه لا يستفاد عن هذه الآية بل عن موضع آخر ، وسيجيء للكلام تتمّة ، فافهم .
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 106 . ( 2 ) . الواقعة ( 56 ) : 77 - 79 . ( 3 ) . الجنّ ( 72 ) : 26 - 27 .